تتواجد عمالة فاس بين شمال وجنوب المغرب، وعلى هضبة سايس ذات التربة الخصبة. فقبل تشرين الأول/ أكتوبر 2003 كانت منطقة فاس تتكون من تلاث عملات : فاس الجديد الذي ثم تشييده من طرف مولاي ادريس الأول سنة 789، وفاس المدينة وزواغة.
وتعتبر فاس من المدن المغربية التي لها شخصية حضارية وعمق تاريخي وتراث متنوع يمكن النهل منه وتقاسمه. يمكن للسائح اكتشاف الغنى الذي يزخر به مجال المدينة من أبواب معمارية تنفتح على أزقة عجيبة، وأحياء أخادة وأسواق أسطورية ودور للصناعات الأصيلة ومعالم تاريخية.
استطاعت فاس أن تنمو وتزدهر في مجال جغرافي غني بمجاريه المائية، يمتد على مساحة 350 هكتار تقربيا. وتمكنت من حسن توظيف مؤهلاته والإستفادة منه وفق رغباتها. لقد فسحت فاس المجال أمام السكان أمام السكان للإبداع وتطوير طاقاتهم في مختلف المجالات من عمارة وتقنيات الماء وحرف أصيلة واختراعات تكنولوجية وفن الحدائق وفنون الطبخ وثقافة وعلوم. تنفرد فاس بكونها من أقدم الحواضر الإسلامية بالمغرب. كما أنها أبدعت، عبر العصور، تحفا فنية راقية وعمائر تجمع بين
الروعة والمتانة.
تنسب الرواية الكلاسيكية تيد فاس إلى المولى ادريس وذلك في عام 192 هـ/ 808 م. وأضحت عاصمة للدولة الإدريسية التي حكمت المغرب من 172هـ/ 788م إلى 345هـ/ 956م, ومن الحكايات المتواترة أن اسم المدينة مقتبس من الفأس التي عتر عليها ـ حسب بعض الروايات ـ بعد مباشرة أشغال بناء المدينة. وربما كان لهذه التسمية أثر في إعتناء ساكنة المدينة بأعمال البناء وولعهم بإنجاز المنشآت المعمارية الرفيعة. لقد شكل الماء منذ البداية عنصرا أساسيا في اختيار موقع المدينة وتشيدها، وقد أجاد أهل فاس في استغلال الماء المنهمر في واد فاس، المخترق للمدينة، والذي يسمى أيضا بوادي الجواهر. ومن النادر أن تجد مدينة تاريخية مغربية تضاهي فاس على مستوى الإرتباط الوثيق بين النسيج العمراني والنسق المائي.
ومن مظاهر ذلك أن مدينة المولى ادريس تأثرت في نشأتها وتوسعها العمراني بمجرى وادي فاس وفروعه (يتغذى الوادي من 60 عينا). وقد وظفت مياه الوادي بدقة وذكاء في بلورة المشاهد العمرانية والمعمارية وتحسينها: المنازل ذات الحدائق، الرياضات، المنتزهات والحدائق داخل الأسوار فضلا عن خرير المجاري التي تخترق أحياء المدينة (وهي مغطاة في الغالب وأحيانا مكشوفة).
منذ البداية، نشأت فاس على شكل مدينتين توأمتين على ضفة الوادي. فكان لكل واحدة منهما سور بأبوابه الخاصة. وسميت المدينة الكائنة على الضفة اليمنى بعدوة الأندلس، والمدينة الكائنة على الضفة اليسرى بعدوة القرويين. وسيؤلفان لاحقا ما أصبح يعرف بالمدينة الإدريسية أو فاس البالي.
وتحكي كتب التاريخ قصة المرأتين الفاضلتين فاطمة الفهرية وأختها مريم، وكان أبوهما من الوافدين من مدينة القيروان. وقد صرفت الأختان جزءا من ميراثهما في إقامة أكبر معلمتين دينيتين بالعدوتين: جامع القرويين (من بناء فاطمة) وجامع الأندلس (من بناء مريم). لكن عرفت فاس أوج ازدهارها الإقتصادي وتوسعها العمراني خلال العهدين المرابطي (480 ـ 541هـ/ 1061 ـ 1147م) والموحدي (541 ـ 668هـ/ 1147 – 1296م). فإلى جانب توحيد العدوتين ودمجهما داخل سور واحد محصن، شهدت المدينة طفرة عمرانية غير مسبوقة كان من ثمارها إبداع منشآت معمارية ضخمة وتجهيزات مائية ومرافق تجارية. وترسم المصادر التاريخية صورة عن ازدهار المدينة خلال القرن 12 م، مؤكدة على أنها تبوأت مكانة متقدمة عبى صعيد التجارة العالمية، وأضحت قلعة للفكر والثقافة والعلوم خلال العصر الوسيط.
كما تولى المرينيون السلطة عام 669- 870هـ / 1269- 1465 م، دشنوا عهدهم بتشيد مدينة فاس الجديد عام 674هـ /1276 م، واتخدوها مقرا رسميا لدولتهم.
اختيرت فاس عاصمة للحكم المريني، واضحت نقطة جذب للمهاجرين من بلاد الأندلس، ومن تم نعمت بمنشآت معمارية بديعة وبحركة تجارية دؤوبة كما تشهد على ذلك – إلى وقتنا الحاضر- المدارس الفخمة، والفنادق المتعددة ودور الصناعة المتنوعة. وتزامن حكم السعديين (962- 1069هـ/ 1554- 1658م) مع تحولات كبرى على المستوى الدولي، تجلت في فقدان المسلمين السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط، واحتلال الثغور المغاربية من قبل القوى الإيبيرية (اسبانيا والبرتغال)، إضافة إلى التوسع السريع للعثمانيين الذين وصلوا إلى الحدود الشرقية للمغرب. ولذلك صرف السعديين اهتمامهم إلى تعزيز البنيات الدفاعية بفاس وتمتينها قصد حمايتها من الأخطار الخارجية المحدقة بها. وفي هذا السياق يأتي بناؤهم للبساتين المحصنة والأبراج الضخمة.
وبعد وصول العلويين إلى الحكم (1658م)، تركز الإهتمام على ميدان العمارة الدفاعية، كما أقيمت عدة مباني ذات وظائف ثقافية ودينية، ورممت المعالم التاريخية المتلاشية.
وعبر تاريخها الطويل والفريد، اكتسبت فاس تراثا عمرانيا ومعماريا ثريا ومثنوعا. واعترافا منها بقيمة هذا الإرث الحضاري و الثقافي للمدينة الإدريسية بادرت المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، بعد نداء صاحب الجلالة الملك الراحل الحسن الثاني من أجل انقاذ مدينة فاس، بتسجيل المجال التاريخي للمدينة في لائحة التراث العالمي والإنساني.